لا يتضمّن قانون الالتزامات التركي رقم 6098 نصاً صريحاً بشأن إمكانية مطالبة المستأجر للمؤجر بالنفقات التي أجراها على العقار المؤجر بعد إخلائه. غير أن هذا الفراغ التشريعي تسدّه محكمة النقض التركية (Yargıtay) والفقه القانوني من خلال أحكام الفضالة (التصرف في شؤون الغير دون تفويض) والإثراء بلا سبب. نتناول في هذا المقال الشروط التي يحق للمستأجر بموجبها استرداد نفقاته على العقار بعد الإخلاء.
تعديلات المستأجر والمادة 321 من قانون الالتزامات
بموجب المادة 321 من قانون الالتزامات التركي، يجوز للمستأجر إجراء تجديدات وتعديلات على العقار المؤجر بموافقة خطية من المؤجر. وإذا وافق المؤجر على هذه التجديدات والتعديلات، فلا يجوز له أن يطالب بإعادة العقار إلى حالته السابقة ما لم يُتفق على خلاف ذلك كتابةً. وفي المقابل، لا يجوز للمستأجر، ما لم يتفق الطرفان كتابةً على خلاف ذلك، أن يطالب بمقابل الزيادة في قيمة العقار الناتجة عن التجديدات والتعديلات التي أجراها بموافقة المؤجر.
بيد أن المادة 321 لا تتناول الحالة التي لا يوجد فيها إقرار خطي من المؤجر بشأن النفقات التي أجراها المستأجر. فعلى سبيل المثال، لنفترض عدم وجود اتفاق خطي بين الطرفين، وأن أنبوب مياه في العقار المؤجر قد انفجر، فقام المستأجر بإصلاحه ثم أخلى العقار بعد شهر. فهل يستطيع المستأجر استرداد قيمة نفقات الإصلاح؟ هنا بالتحديد تبرز أهمية التكييف القانوني للنفقات التي يجريها المستأجر على العقار.
لماذا يُعد التمييز بين النفقات الضرورية والنافعة والكمالية مهماً؟
تُصنَّف النفقات التي يجريها المستأجر قانوناً إلى ثلاث فئات: نفقات ضرورية، ونفقات نافعة، ونفقات كمالية. ويكتسب هذا التمييز أهمية بالغة لأنه يحدد بشكل مباشر النفقات التي يمكن للمستأجر المطالبة بها من المؤجر بعد الإخلاء؛ إذ ليست كل نفقة يتكبدها المستأجر تُنشئ له حقاً في المطالبة.
النفقات الضرورية تُقيَّم لا بحسب مقدارها، بل بحسب ما إذا كانت لازمة للحفاظ على العقار أو استمرار صلاحيته للاستعمال؛ ويُحدَّد طابعها وفقاً لظروف كل حالة، وعند الاقتضاء بالاستعانة بخبرة فنية. ومن أمثلتها تجديد التمديدات الكهربائية التالفة.
النفقات النافعة هي التي تزيد من قيمة العقار أو من إمكانات استخدامه، لكنها ليست ضرورية لبقائه صالحاً للاستخدام في حالته الراهنة. ومن أمثلتها استبدال الأرضية القديمة أو خزائن المطبخ بأخرى ذات جودة أفضل. وقد يختلف تصنيف النفقة بين ضرورية ونافعة بحسب ظروف كل حالة على حدة.
النفقات الكمالية هي النفقات غير اللازمة لاستخدام العقار، والتي يجريها المستأجر بمحض اختياره الشخصي.
في حال وجود نص في عقد الإيجار
إذا تضمَّن عقد الإيجار نصاً صريحاً يمنع المستأجر من المطالبة بالنفقات التي أجراها على العقار، فيجب أولاً تحديد أنواع النفقات التي يشملها هذا النص. والأصل في قانون الالتزامات التركي هو سريان مبدأ “حرية التعاقد”، بشرط ألا يخالف ذلك الأحكام الآمرة في القانون أو النظام العام أو الآداب؛ ولذلك يبقى هذا النص سارياً، إلا في حال فسخ المستأجر للعقد لسبب مشروع.
في حال خلو العقد من نص: الفضالة والإثراء بلا سبب
إذا كان عقد الإيجار خالياً من نص بهذا الشأن، فإن العمل المُنجَز إن كان يُعد “تجديداً أو تعديلاً” تسري عليه المادة 321 من قانون الالتزامات. أما بالنسبة للنفقات الضرورية والنافعة التي تخرج عن هذا النطاق، فإن محكمة النقض تطبّق عليها أحكام الفضالة (المواد 526-531 من قانون الالتزامات) وأحكام الإثراء بلا سبب (المواد 77-82 من قانون الالتزامات).
وتقوم حالة الفضالة عندما يقوم المستأجر، دون تفويض صريح من المؤجر، بعمل يخص المؤجر أساساً، بهدف الحفاظ على العقار أو استمرار صلاحيته للاستعمال. فعلى سبيل المثال، إذا قام المستأجر بإصلاح عطل يعيق استخدام العقار بشكل جدي ويمكن أن يسبب ضرراً في حال التأخر في إصلاحه، فيجب تقييم ما إذا كان العمل المُنجَز في مصلحة المؤجر وما إذا كانت شروط تطبيق أحكام الفضالة متحققة. وتُعد تمديدات المياه والكهرباء، وأجهزة المطبخ، وأنظمة التدفئة والتبريد، وأعمال الدهان، وتجديد الأرضيات من الأمثلة على النفقات التي قد تخضع لهذا التقييم.
وفي حال بقيت الزيادة الناتجة عن النفقة في قيمة العقار أو في إمكانات استخدامه ضمن ذمة المؤجر المالية، فإن أحكام الإثراء بلا سبب تُطبَّق حينئذ. وقد قضت الهيئة العامة للدوائر المدنية في محكمة النقض في أحد قراراتها بأن التعديلات التي يجريها المستأجر لتكييف العقار مع الغرض المخصص له، إلى جانب النفقات الضرورية والنافعة، يجب تقييمها وفقاً لأحكام الإثراء بلا سبب، وأنه يتعين اعتبار المؤجر مُثرياً بلا سبب بالقدر الذي تنعكس فيه هذه النفقات على قيمة العقار.
وبناءً على ذلك، بما أن المؤجر يكون قد أُثري بلا سبب فيما يخص النفقات الضرورية والنافعة التي أجراها المستأجر، يحق للمستأجر المطالبة بهذه النفقات. والمعيار الأساسي هنا ليس مقدار ما أنفقه المستأجر، بل مقدار ما أُثري به المؤجر؛ وبالتالي، عند تحديد المبلغ، لا يُعتد بقيمة النفقة في تاريخ إجرائها، بل بقيمة العقار في تاريخ الإخلاء.
الإخلاء والتسليم كشرط مسبق للمطالبة
لكي يتمكن المستأجر من المطالبة بالنفقات المذكورة أعلاه، يجب أن يكون قد أخلى العقار فعلياً وسلّمه إلى المؤجر. فإخلاء العقار شرط مسبق لتمكُّن المستأجر من المطالبة، بموجب المادة 77 من قانون الالتزامات، بالنفقات التي أجراها لزيادة قيمة العقار أثناء استمرار العلاقة الإيجارية؛ وما لم يتحقق هذا الشرط المسبق ويُعاد العقار إلى المؤجر، فلا يمكن المطالبة بهذه النفقات.
هل يمكن استرداد النفقات الكمالية؟
على الرغم من أن تحديد ماهية النفقات الكمالية قد يختلف بحسب كل حالة، فإن الأصل هو ألا يحق للمستأجر التقدم بأي مطالبة تجاه المؤجر بشأن النفقات التي أجراها بمحض اختياره الشخصي. ومع ذلك، يجوز للمستأجر عند الإخلاء أن يأخذ معه الأشياء المتعلقة بهذه النفقات الكمالية -كثريا الإضاءة مثلاً- إذا أمكن فكّها دون إلحاق ضرر بالعقار. أما التركيبات الكمالية التي يتعذر فكّها، أو التي يُلحق فكّها ضرراً بالعقار، أو التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من العقار، فتبقى في العقار ولا يحق للمستأجر المطالبة بشأنها. وإذا تضمَّن عقد الإيجار نصاً يخوّل المستأجر المطالبة بالنفقات الكمالية أيضاً، فإن هذا النص يكون سارياً ويحق للمستأجر عندئذ المطالبة بهذه النفقات.
الخاتمة
تتوقف إمكانية مطالبة المستأجر بالنفقات التي أجراها على العقار عند الإخلاء على شروط قانونية محددة وعلى طبيعة النفقة ذاتها. ويُعد النص الصريح على هذه المسألة في عقد الإيجار المبرم بين الطرفين المعيار الأول والأهم. أما في حال خلو العقد من نص بهذا الشأن، فإن التجديدات والتعديلات الخاضعة للمادة 321 من قانون الالتزامات، وكذلك النفقات الكمالية، تبقى كأصل عام على عاتق المستأجر، في حين تصبح النفقات الضرورية والنافعة قابلة للمطالبة بها في إطار أحكام الفضالة والإثراء بلا سبب.
غير أنه لتفعيل هذه المطالبة، يشترط أولاً وقبل كل شيء أن يكون العقار قد أُخلي وسُلّم فعلياً إلى المؤجر. كما أنه عند تحديد المبلغ، لا يُعتد بتكلفة النفقة في تاريخ إجرائها، بل بالزيادة التي أحدثتها في قيمة العقار وقت الإخلاء. ولهذا السبب، وتجنباً لضياع الحقوق والنزاعات القانونية التي قد تنشأ مستقبلاً، فإن السبيل القانوني الأسلم هو توثيق أي تعديلات جوهرية تُجرى على العقار باتفاق خطي، سواء في بداية عقد الإيجار أو خلال سريانه.